دار أجيال

محمد شرف الدين

Tags

االرباط المقدس:بعض قواعد وإستراتيجيات مرحلة التعارف

December 8th, 2010

 

في مجتمعاتنا الشرقية، يوجد الكثير من الشباب والفتيات الذين لا يملكون خبرة سابقة بالجنس الآخر، ولا يعرفون طريقة التعامل معه، ويؤدي ذلك إلى إخفاقات كثيرة في مرحلة التعارف، وقد يفوّت فرصًا ذهبية لأزواج بينهم توافق عال، ولذلك أحببت أن أذكر بعض ملامح وأصول التعامل في اللقاءات الأولى، خلال مرحلة التعارف، معظمها من مسئولية الرجل أو الشاب، بسبب أن المبادرة في العادة تكون من جانبه، حتى وإن كان من اختيار المرأة أو الشابة، أو وقع الاختيار عليه من أحد أهلها، وحتى لو شعر أنه قد اقتيد لهذه الزيجة بشكل أو بآخر، فيجب عليه الاستفادة القصوى من المتاح، لأنه لا أحد يعلم أين يقع الخير.

ركّز على الطرف الآخر

في جلسات التعارف الأولى، كثيرا ما يكون هناك أفراد آخرون غير الطرفين الأساسيين في جلسة التعارف، قد يكون أخوها أو أبوها أو أمها أو صاحبتها أو صويحباتها، أو الخاطبة أو الوسيط… إلخ.

والمهم أن تسلم عليهم في أول الجلسة، ثم تلتفت بكامل انتباهك إلى الطرف الآخر الذي تريد أن تتعرف إليه، ولا تدع مجالا لتداخل الآخرين إلا في حدود الأدب العام، فلا تزيد مداخلاتهم عن 20% من اللقاء، بينما الـ 80% هي لكما أنتما فقط، كطرفي حوار أساسيين، أشعرها أنها هي من أخرجك من المنزل، أنها هي من جئت له، لا أحد آخر، وستعير انتباهها لك بعد فترة قصيرة من الإصرار، وفي أثناء الحديث، ركّز ناظريك على عيني الطرف الآخر، حتى وإن كان الحياء أو عدم التعود يدفع بعينيك بعيدا، فحاول التركيز، فإن هذا يعين على أن تألفا بعضكما البعض، وأن تتحرى الصدق من الطرف الآخر وتعرف كيف يتفاعل.

أشعر الطرف الآخر بالأمان

في أثناء الحديث، حاول أن تُشعر الطرف الآخر بالأمان، لا تجعله يقلق على مستقبله معك، بالطبع لا أطلب أن تكذب، ولا أن تخفي الحقائق، ولكن لكل مقام مقال، فمثلا إن كان في مخططك العمل في الخارج والسفر، ولم يكن معك أي عرض عمل، وليس في مقدورك وضع جدول زمني لمتى ستسافر، ركز على لماذا تريد السفر، أو أهدافك التي أدت بك إلى استنتاج أن السفر قد يكون هاما، وأشرك الطرف الآخر برأيه في هذه الأهداف، لأن تفكيره سيتحجر -بطبيعة الحال- عند السفر كمستهدف في حد ذاته، وما فيه من تغريب عن الأهل، وبُعد عن الديار، وإقلال في فرص تحقيق الأماني الشخصية، وهذا مخيف للكثيرين، ولكن إن أحس الطرف الآخر أنه يصنع معك مستقبلك، فسوف يتقبل أحلامك بشكل أفضل بل ويعينك عليها، وكذلك في قضايا أخرى كالانتماءات السياسية، والعلاقات العاطفية السابقة، والعلاقات مع الجنس الآخر بوجه عام، التي يثير غيرة شريك الحياة المحتمل، وقد لا يفهم في السياق الصحيح إذا لم تعرف حقيقة الشخصية.

كُن على طبيعتك

لا تحاول الحكم أو تفسير كيف ينظر إليك الطرف الآخر، أو تأويل وقراءة ردود أفعاله تجاه كلامك وأفعاله في سياق يجعلك تخسر شخصيتك، وما أنت عليه، فقط كُن على طبيعتك.

الكثير من الشباب في أثناء فترة الخطبة والتعارف، يسرعون بالفرار من العلاقة الناشئة، ويعلنون انتهاء العلاقة وهي توشك على البدء، فقط لأنه كان يظن أن الطرف الآخر لا يريده، ولا يحبه، وذلك من خلال تفسيره لرد فعل عن تصرف عمله، أو كلمة قالها، ويظن أنها قد أغضبت الطرف الآخر، أو أنها جعلته مرفوضا، فيسرع بالفسخ، قبل أن يفسخ الطرف الآخر!

بالطبع الذكاء الاجتماعي مطلوب، ولكن الإغراق في تفسير ردود الأفعال، والإغراق في ضبط الفعل ورد الفعل على هوى الطرف الآخر، سيخرج الإنسان عن طبيعته، وهو سمة من سمات الضعف النفسي، وعدم الثقة في النفس، وأنا شخصيا لا أتصدر لمثل هذه الشخصيات لتقديمها لخطبة أحد أعرفه لأنها مهزوزة، وتجلب العار، ولا تعرف لها ثباتا على موقف.

خلاصة الموضوع: كن كما أنت، ولا تحاول أن تكون أحدا آخر تظن أن الطرف الآخر يريدك أن تكونه، لأنك لن تنجح في القيام بهذا الدور طويلا.

ومن ملامح ذلك، الفتاة التي ترتدي الحجاب بمجرد ارتباطها بأحد الشباب المعروف عنه الالتزام، فمثل هذه الفتاة عادة تخلعه بمجرد فسخ الخطبة، أو عند أول خلاف في الزواج، إن لم يكن عن قناعة كاملة وحرية حقيقية في الاختيار.

وكذلك الشاب الذي يغيّر من أسلوب لبسه عندما يبدأ في مواعدة خطيبته، حتى تتواءم ألوانه وذوقه مع ما تحب هي، لن يستمر طويلا حتى يرجع لألوانه وذوقه، الذي قد تعتبره غير ملائم بعد فترة من الارتباط.

وكذلك آراؤك وعلاقاتك واجتماعياتك وعملك وأحلامك، كن كما أنت، لا تتصنع، ولكن تحرّ التوقيت وطريقة العرض، حتى لا تتضارب تلك النصيحة مع النصيحة السابقة.

استمع وأصغ جيدًا للطرف الآخر

من أهم ما يمكن أن يكون سببا في نجاح أي علاقة ناشئة، وما يبني العلاقة بين أي اثنين: الإصغاء، والإصغاء الإيجابي هو أن تنصت جيدا لما يقول، وما يحلم به، وتعطيه فرصة ليعبّر عن رأيه بحرية، وأن يكمل حديثه حتى يفرغ، وألا تقفز لاستنتاجات غير صحيحة، أو تكبت أحاديثه، أو تقمع آراءه وحريته في الحديث، أو أن "تعمل ناصح وتستذكى" أن تكون "السيد الذي يعرف كل شيء ولا تخفى عليه هفوة"، فهذا بجانب أنه مخيف للطرف الآخر، فهو مضلل لك أنت نفسك، أنت تؤذي نفسك إن فعلت ذلك، لأنك إن فعلته، رسمت صورة ذهنية خاطئة عن شريك حياتك، ومن ثم ستبدأ التعامل الخاطئ معه.

ولكي تكون منصتا جيدا:

·         ركز على احتياجات الطرف الآخر، واربطها بأولوياتك.

·         اسأل الأسئلة الذكية والمناسبة التي تجعل الصورة تتضح أكثر في ذهنك.

·         ركز على تصرفاته في الماضي والتي ستكون مرآة ومنهجا لكيف سيتصرف في المستقبل في نفس المواقف.

لا تسرع في إطلاق الأحكام

في أثناء الحديث، من المفترض أن لك أجندة وأولويات تتكلم فيها، هناك إجابات قد لا تتوافق في ظاهرها مع أحد أولوياتك، أو مواقف قد يحكيها الطرف الآخر لاستفزازك واختبارك، وهذا شيء متوقع في بعض الحالات، وخاصة مع الناس ذوي العلاقات الفاشلة السابقة، أو من عندهم رصيد مخزون من مشاهدة الفشل في العلاقات الزوجية في المحيط الاجتماعي أو الأسري، وعند ذلك، لا تستسلم للسهل، وتطلق الأحكام بفشل هذه العلاقة، وتجزم أنها لن تكون ناجحة، ولكن اصبر حتى تنتهي من كل أسئلتك، واصبر حتى ينتهي الحوار بأكمله، وبعد تحليل الأحداث والإجابات جيدا، وقبل إعطاء أحكام نهائية، يفضل أن تعطي فرصة أخرى، وتجري مقابلة أخرى، لإزالة عدم الوضوح عن أي نقاط غير واضحة في الحديث، وخاصة إذا لم يغلق الطرف الآخر الباب على العلاقة الناشئة بعد الموقف السابق.

فالإسراع في إطلاق الأحكام أسهل شيء ممكن أن يفعله المرء، ليزيد من عنائه في البحث، وليرفع من سقف رضاه، ويزيد من سخطه على الحياة والجنس الآخر، ويؤخر عليه مشروع إنشاء بيت جديد سعيد.

لا تجبر المرأة على قول رأيها فيك وفي العلاقة ككل، أو أن تقول "موافقة"

من طبيعة المرأة، وخاصة عندما تكون شابة لم يسبق لها الزواج، ألا تقول "نعم" على المتقدم، ولكن سيظل الباب مفتوحا له ولمقابلته، طالما أنها من داخلها موافقة.

الكثير من الرجال والشباب، كي يُرضي غروره، يطلب أن يسمع ممن يتقدم لها كلمة تدل على أنها تريده، وأنها موافقة عليه، وهذا لن يؤدي إلا إلى عكس النتيجة المرجوّة، فإما أن يخسرها للأبد، وتقول "لا" وإما  أن يحوّلها إلى "أَمة" أو جارية، وتضيع عليه المتعة الفطرية في مطاردتها، بل وقد يؤدي ذلك إلى عزوفه عنها، وإحساسه أنها لا قيمة لها، أي أنها قد تبدو رخيصة في ظنه.

الهدايا

الهدايا أساس هام لتلاقي القلوب والتعبير عن المشاعر، "تهادوا تحابوا"، ولكن لابد أن تكون على طبيعتك، في اختيارك وانتقائك للهدايا، لا تبالغ في قيمتها، حتى تتجاوز قدرتك المادية والمستوى المتوقع منك اجتماعيا، فإن كان متوسط قيمة الهدية التي تهادي بها في المناسبات المختلفة لشبكتك الاجتماعية وأفراد أسرتك 50 جنيها، فالمتوقع منك جلب هدية في نفس الحدود لشريك حياتك، ولترفع القيمة في انتقائك للمعنى والرسالة المقصودة من وراء الهدية، وليس في القيمة المادية.

ومن الهام أيضا ضبط إيقاع الهدايا، فلا إفراط في مرات تقديمها، فتصبح عادة ولا توصل الرسالة المرجوة، أو تفريط فتتحول القلوب والنفوس عن الرغبة في إكمال العلاقة، وتظهر في صورة البخيل، وضبط ذلك سيجعلك تصيب الهدف في كل مرة تأتي فيها بهدية، كإبراز البهجة بمناسبة معينة، أو تحقيق هدف مشترك والمكافأة عليه، أو التعبير عن وحشة وحرارة عاطفة ولوعة مشتاق.

المتوقع أن ترتفع قيمة ما يلي بلا إسراف:

أول زيارة أسريّة: قيمتها عادة ما تكون مرتان إلى أربع مرات، مستوى الهدية الطبيعية في المناسبات الأخرى، وهي لترسيخ الانطباع الأول، ولا يتوقع أن تأتي في الزيارة التالية بما يشابهها.

المناسبات الكبرى في الزواج: كحفل الخطبة، والشبكة، والعقد، والزواج، وهدية إحدى هذه المناسبات تكون الشبكة أو هدية الزواج الرئيسية، أما الأخرى فكل حسب ظروفه، وعادة لخصوصية تلك الأحداث، وقيمتها بالنسبة لكل عروسين، فعلى الرجل تقييم كل هدية بقدرها.

بين الجد والهزل

بالرغم من جدّية المرحلة الأولى للزواج، وقرار الاختيار، وصعوبة المهمة، وكثرة التفاصيل، فمن المهم ألا ينجرف الزوجان المحتملان إلى الجدية والصرامة، وكأنها مقابلة عمل، ولكن يجب أن يكون هناك وقت للخطيبين أن يتحدثا في أمور حياتية عادية، وقد تكون هزلية في بعض الأحيان، وأن يكون الحوار إنسانيا في المقام الأول، وهذه الحوارات بجانب أنها تؤلف القلوب، فإنها تعرّف الأزواج إلى بعضهم بعضا، وهي محك عملي وتدريبي على التواصل.

الرومانسية

الدخول على اللقاء الأول أو حتى اللقاءات الأولى في صورة "سيد العاطفي"، أو "حمادة الرومانسي"، ليس من الذكاء بمكان، فقد يخدع بعض الغبيّات اللواتي ينتظرن مثل هذه الشخصية الذائبة حتى أخمصها في عشقهن والاهتمام بهن، وتصوّر المتقدم في صورة حمار ملهوف من السهل وضع "البردعة" عليه والانطلاق به في نجوع الحياة!

دع الرومانسية تأتي بطبيعتها، دون تكلف، ودون إسفاف، ودون اصطناع، اجعلها ترتقي بالعلاقة، لا تضع من شأنك، ولا تكن جافا كالحجر، أُجاجا كالماء المالح، لا عاطفة لك، عندما يأتي موقف فيه عاطفة أو رومانسية، ستجد هناك عشرات الوسائل للتعبير عنها، دون أن تفقد تدينك، أو تتلاعب بقلب شريكة حياتك المحتملة.

ألم تر إلى قول الله تعالى (وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ) "البقرة-235"، فالله عز وجل لم ينكر الحب والمشاعر الصادقة، ولكنه جل شأنه ينكر أفعالا لا تجوز إلا عندما يُعقد العقد، وقد قال مالك: يقول الرجل: إني بك معجب، ولك محب.

 

وقفة مع الحب في الإسلام

يقول الدكتور جاسم المطوع، "إن مشاعر الحب ليست أكثر من انفعالات قسرية، والانفعال لا يتعلق به تكليف، ولا يدخل في الأحكام أو المحظورات الدينية، فليس هو بحرام أو مكروه أو واجب، لكن التحذير يلحق الأعمال التي تنبني على الحب، فإذا حدث ما حرّم الله كان الحب مذمومًا، وإن التزم الخاطب والخطيبة بالأوامر الشرعية والأعراف الاجتماعية، فلا حرج".

Copyright © 2018 The Sacred Bond Rights Reserved | Privacy Policy | Sitemap