دار أجيال

محمد شرف الدين

Tags

االخطة البديلة – قصة قصيرة – محمد الجمال

July 5th, 2012

جلست في عيادتي في موعد حضوري المحدد ، أنتظر أن يجود على الله ببعض المرضى ، كل يوم أنتظر أن أؤدي الدور الذي حلمت به سنين طويلة ، أجلس عند رأس المريض منصتاً إليه ساعات و ساعات محاولاً الغوص في أغوار نفسه و أعماقها واهباً لي ثقته المطلقة و فوق هذا أتعلم لغة الصمت و حسن الاستماع و لكني أفقت من حلمي على مجتمع يخشى السواد الأعظم منه أن يطرق باب عيادة الطبيب النفسي حتى لا يظن من يعرفونه أنه مخبول أو أنه على شفا جرف هار يهوي به إلى أعماق الجنون.
“فرجت” دخل على مساعدي يبشرني بأنها اليوم قد فرجت عندنا مريض ، دخل على رجل متوسط الطول ، وسيم الملامح ، يطلق لحية صغيرة مزيناً بها وجهه ، يبدو عليه أنه في النصف الثاني من العقد الرابع من عمره ، مهندم جداً ، تسبقه رائحة عطره الفواح من الماركات الغالية و المعروفة لدى الخاصة ، وقبل كل ذلك تسبقه ثقة لم أخف دهشتي منها غير أني لم أظهر هذه الدهشة على وجهي فهذه من متطلبات هذه المهنة .
هو : “اسمي عمر عبد الجليل ، دكتور عمر عبد الجليل ، أستاذ بجامعة …… الخاصة . لا أعرف إن كانت قصتي تستحق أن أطرق باب عيادتك و لكني رجل متفتح العقل لا آلو جهداً في سبيل أن أحل مشكلة أو أن اتعلم ممن هو أعلم مني”.
لم أقاطعه و لم أطلب منه كما تمنيت دائماً أن أدعوه إلى سرير الطبيب النفسي الشهير فأعطاه ذلك الشعور بالراحة مما جعله يكمل بهدوء قائلاً: ” عمري سبعاً و ثلاثين عاماً، أعيش في مستوى إجتماعى راق جداً ، أعزب ، أعيش مع والدى إلى الآن ، مشكلتي هى أني أحب زميلة لي” ثم سكت هنية .. و استطرد قائلاً ” لا أستطيع أن أقول أني أحبها فعلاً أو أنعتها بأنها حبيبتي و لكنها قريبة جدا مني تصغرني بحوالي سبع سنين ، أعرف أنه فرق مناسب للإرتباط و لكن “
ثم سكت متردداً و لكني لم أحمله على الكلام و تركته يكمل قائلاً “المشكلة يا دكتور أني لي علاقات نسائية كثيرة ” ثم اعترض الجملة بسرعة مستطرداً “ليست علاقات محرمة و لكنها صداقات متعددة، جميلات ، مميزات و لكن حقيقة لا توجد واحدة منهن أستطيع أن أرشحها لتكون رفيقة حياتي غير أني أشعر أن من تناسبني و تناسب نشأتي المتحفظة هى زميلتي تلك التي أحكي عنها و لكني لا أستطيع أن أتخيلها زوجة لي “
سألته مقاطعاً و لكى أشعره باهتمامي و متابعتي إياه :”لماذا؟”
أجابني قائلاً : ” هى في نظري ليست جذابة بالشكل الذي أستطيع معه أن أتخيلها في حياتي كزوجة ، هى حقيقة متدينة جداً ، و مقبولة الشكل جداً ، و صاحبة خلق رفيع لا خلاف على ذلك و لكني ….”
ثم سكت باحثاً في معجمه عن جملة مناسبة فأسعفته: ” لا تثيرك كأنثى “
فنظر إلى فرحاً بخلاصه من هذه الأزمة فاتحاً أواصر الثقة التي يبحث عنها بيني و بينه و قال “نعم هذا صحيح” ثم قال مسرعاً متخطياً تلك النقطة سريعاً:” فبدأت أشعر بالخوف هل أنا ظالم لها؟ “
فسألته :” أين الظلم فيما تقول؟”
فأجابني بعد تفكير :” لقد جعلتها جزء لا يتجزأ من حياتي ، أتكلم معها كثيراً ، أعرف عنها كل شيء ، و هي تعرف عني فقط ما أريده أنا أن تعرفه و في كل يوم أشعر بتعلقها بي أكثر و أكثر و نظرات عينها تتساءل دائماً : ” متى نكون معاً؟” و أؤكد لك سيدي الطبيب أني لست مغروراً و لكني أفهم لغة العيون جيداً بحكم كثرة علاقتي المتعددة كما صارحتك من قبل . عامة أنا لم أتردد في قراراتي طوال حياتي و لا أخاف بسهولة و لكني كلما فكرت في هذا الموضوع أخاف كثيراً و أشعر بتردد كبير فقلت في نفسي أن هذا العارض على شخصيتي من الممكن أن يحتاج إلى من هو في تخصصك “
فسألته قائلاً هل لك أخوات ؟
فأجابني قائلا:” نعم لي أختان متزوجتان و أعتقد أنهما في نظري صورة مثالية للزوجة في قيمهما و أخلاقهما”
و استمر في شرح صفات أختيه و أهله و كيف أن زميلته تقترب كثيراً من هذه الصفات ثم سكت منتظراً تعليقي كأنه شعر أنه ألقى على محاضرة طويلة من محاضراته في جامعته الخاصة ، ثم ابتسمت في وجهه قائلاً:”هذا موقف مألوف عند القدوم على أى خطوة جديدة في حياتك لا سيما هذه الخطوة المهمة و الكبيرة التي يترتب عليها أمور كثيرة ما بين دنيوية و أخروية ، و قلقك قائم على حرب بين بيئتك التي نشأت فيها على قيم و مثل لا تستطيع أن تغض الطرف عنها و بين علاقات قديمة و قائمة فأصبحت مشتت الفكر بين الاثنين “
فسألني السؤال الذي توقعته و كعادة السواد الأعظم من الناس محاولاً أن يبرىء نفسه من صفة الجنون مع علمه و مكانته و ثقافته قائلاً :”و هل أصبت باللجوء إلى الطبيب النفسى؟”
و مرة ثانية أسعفته قائلا:”القلق مرض يتفاوت من شخص إلى آخر و من رأيي إن النشأة التي نشأتها هى ما تدفعك أن تضع تلك الزميلة كخطة بديلة إن وجدت بغيتك في غيرها فبها و نعمة و إن لم تجد فالبديل موجود و سؤالي لك هو : هل تقبل ذلك على إحدى أختيك؟”
فنظر إلي الأرض باستحياء قائلاً :” لا و لكن هذا لم يكن قصدي “
فقلت له بصوت صارم :”و لكن هذا ما تفعله الآن و إلا فبرر ما سبب خوفك من أن تظلمها و لم جعلتها تتعلق بك؟ أنا متأكد أنك تغار عليها إن علمت منها على سبيل المثال أن زميلاً آخر يعرف عنها شيئاً لا تعرفه أنت”
لم يجبني و كان الصمت عنده أبلغ من الكلام .
فأكملت موجهاً :” يجب أن تكسب حربك بين حياة تعيشها و ترغبها و لكن لا يتقبلها عقلك و بين قيم و مبادىء نشأت عليها و نفسك تبحث عنها في خضم الحياة العابثة”.
و كأنه اكتفى بهذا التوجيه محاولاً الهرب لانسياط الكلام فقام مبتسماً و هم بالإنصراف بعد أن شكرني ثم وقف متردداً و قال : ” هل أستطيع أن أتشرف بزيارتك مرة أخرى؟”
فقلت له : ” أهلا بك في أى وقت إن أردت أن أساعدك في حربك فلنا لقاء آخر الأسبوع القادم إن شاء الله ، هذه أرقامي ، تستطيع أن تحدد موعد بالاتصال ثم سلم على و انصرف”.
و كأن اليوم كان يوم سعدى ، فبعد أن انصرف بساعة أو أكثر دخل على مساعدى يبشرنى بزائر ؤاخر ، فدخلت على شابة مقبولة الجمال محجبة و محتشمة فى ملبسها يبدو عليها أثر التردد.
جلست أمامى و أنا لا أدفعها إلى الكلام ثم بدأت بصوت خفيض:
أنا إيمان ، دكتورة إيمان
أخفيت دهشتى ، نفس البداية و المقدمة ، فكما هو معروف أن النفوس تلتقى و تتوالف حتى تتعامل مع المواقف بنفس النهج و لكنى استبعدت الموقف و تفحصتها ثانية.
فافتعلت ضحكة كى أخفى بها دهشتى قائلاً لها: و لكنك مازلت صغيرة على كلمة دكتورة هذه!
فابتسمت و ضاع مع تلك الإبتسامة الكثير من الإرتباك و قالت: لقد حصلت على الدكتوراة من الولايات المتحدة قريباً و أعمل فى جامعة … الخاصة.
ثبتت الرؤيا لا محالة ، هى هى… هكذا حدثت نفسى ، نفس الجامعة و هى كما وصفها ضيفى الأول و لكن كأى طبيب نفسى أخفيت دهشتى وراء قناع العلم و تركت لها المجال.
فستطردت قائلة: أنا لم ءات لأتحدث عن نفسى و لكن عن شخص يهمنى أمره و عندما لم أجد غير بابك ءاثرت أن أعرف منك كيف أتعامل مع هذا الشخص فالعلم هو أقصر طريق للمعرفة.
فوافقتها قائلاً : أكيد .. تفضلى أكملى.
فازدادت ثقتها بنفسها ، و بالطبع لم أمارس حلمى بدعوتها إلى سرير الطبيب النفسى الشهير و تركتها تكمل قائلة: هو زميل لى فى العمل و يكبرنى ببضع سنين و هو الشخص المقصود من هذه الزيارة .
هو إنسان طيب القلب و مثقف و ناجح فى عمله جداً تعلقت به بل أستطيع أن أقول هو من ساعدنى و دفعنى لكى أتعلق به يعرف عنى كل شئ و أظن أنا كذلك!
فى أحايين كثيرة أشعر أنه لا يريدنى و مرات أخرى أشعر أنه فى شوق إلى أقرأ من عينيه الغيرة عندما يرانى مع زميل ءاخر و عندما نجلس وحدنا أراه متردداً حزيناً .
و استرسلت بعد أن شعرت بالهدوء قائلة: كنت اراجع نفسى كما هى عادتى و أتساءل هل العيب فى؟ فلا أجد فى مواقفى ما يدعوه إلى هذه المعاملة المتقلبة فأنا اعامله فى كل وقت بوضوح و احترام و أدب … ثم سكتت قليلاً فأسعفتها قائلاً : واعجاب.
فتفست الصعداء بطوق النجاة لأن الكلمة كانت بالنسبة لها أجمل مرادف لكلمة الحب.
ثم سردت على بعض المواقف العادية بينهما و كان السؤال منها فى ءاخر كلامها: ما حقيقة أمر هذه الشخصية و حقيقة مشاعرة ناحيتى و هل هناك ما يريب فى هذه العلاقة؟
فأجبتها : طبعاً أنا لم أجلس معه و لا أستطيع أن أحلل شخصه من وجهة نظر شخص ءاخر فهناك أشياء عن حياته أود أن أعرفها منه شخصياً و لكى أستطيع أن أجيبك بالقليل الذى عرفته عنه منك أقول أنه متردد فى اتخاذ هذه الخطوة الهامة و هو أمر طبيعى فى مجتمعنا الآن لما فيه من مسؤليات يراها الشباب ثقيلة و تنوء منها الجبال الشم من حملها.
فقاطعتنى بأدب : و لكنه ليس سبب كاف لترك ما يظنه أنه حرية لكى يقع فى قيود المسئولية التى يخافها!!!
فنظرت إلى ساعتى كأنى أقول لها أن وقت عيادتى قد انتهى حتى لا تفتح مجال ءاخر للحوار قائلاً لها: أستطيع أن أساعدك أكثر إذا أقنعته أن يقابلنى .
فصرخت بعفوية قائلة : مستحيل و ماذا أقول له ، إن حيائى يمنعنى أن أناقش معه مثل هذا الموضوع .
فطمأنتها قائلاً : سنفكر معاً فى حل لكى أتعرف عليه فى زيارة أخرى إن شاء الله أرجو أن تكلمينى لكى نجدد موعد فى السبوع القادم إن شاء الله تعالى.
فشكرتنى ممتنة كأنها لم تقتنع بما قلته و لكنى كنت على يقين أن تعلقها بهذا الشخص سيدفعها دفعاً أن تعاود الكرة مرة أخرى.
و انصرفت و أنا جالس أفكر ، إن حالنا فى هذه الأيام أصبح الخوف من المستقبل هو خوف من تحمل المسئولية وكأن يقيننا بالله قد اندثر من القلوب إلا من رحم ربى.
زادت معدلات الطلاق بصورة مرضية فى مجتماعتنا ماذا ينتظر مثل هذا الدكتور لكى يأخذ خطوة جدية فى حياته و يرتبط بإنسان وجد فيه بغيته ؟ هل طغى حب المظهر على حب الجوهر؟ إنها قصة تتكرر كثيراً فى ظل علاقات مجتمعية إقتصادية متشابكة بصورة مفزعة و ازداد فيها الطموح بصورة أكل فيها ما تبقى فى النفوس من الرضا بالقليل ، وصل فيها الأمر أن تهدم المرأة بيتها لطموح زائل من منصب و مال و سلطة و قبلها رجل نسى دوره كأب يربى قبل أن يلهث وراء منصب و مال بلا أخلاق و لا دين.
فجأة ، توقفن عن التفكير مصدوماً ، تذكرت فى خضم يومى أنى لم أكلم داليا ، ياويلتى قلت لها أنى سأعاود الإتصال بها و لكنى شغلت..
آه … تتساءل من تكون داليا ، لكى لا أطيل عليك الكلام .. هى خطتى البديلة .. فأنا لم أتزوج بعد

Copyright © 2018 The Sacred Bond Rights Reserved | Privacy Policy | Sitemap